تُكتب بعض المباريات في سجلات التاريخ ليس فقط لأهميتها، بل للجنون الخالص الذي يرافق تفاصيلها. وما حدث في ملعب "هارد روك" في ميامي غاردنز بولاية فلوريدا، لم يكن مجرد مباراة تحديد المركز الثالث في كأس العالم 2026، بل كان أشبه بفيلم سينمائي هوليوودي مليء بالإثارة، التقلبات، والأهداف التي انهمرت كالمطر.
لقد نجح المنتخب الإنجليزي في الفوز بالميدالية البرونزية بعد تفوقه على نظيره الفرنسي بنتيجة 6-4 في واحدة من أكثر المباريات غزارة بالأهداف في تاريخ المونديال.
سياق المباراة: وداع ديشان وسباق الحذاء الذهبي
دخل المنتخبان هذه المواجهة وهما يحملان خيبة أمل الإقصاء من الدور نصف النهائي؛ حيث سقطت فرنسا أمام إسبانيا، في حين خسرت إنجلترا أمام الأرجنتين المدافعة عن اللقب. ورغم أن مباراة تحديد المركز الثالث غالباً ما تُعتبر تحصيل حاصل، إلا أن الدوافع كانت حاضرة وبقوة:
- وداعية ديشان: كانت هذه المباراة تحمل طابعاً عاطفياً خاصاً للفرنسيين، إذ مثلت الظهور رقم 187 والأخير للمدرب الأسطوري ديدييه ديشان على رأس الإدارة الفنية لمنتخب "الديوك" بعد رحلة استمرت 14 عاماً.
- سباق مبابي وميسي: دخل النجم الفرنسي كيليان مبابي المباراة وعينه على شباك الإنجليز، أملاً في الانفراد بصدارة هدافي البطولة والحفاظ على جائزة الحذاء الذهبي التي نالها في مونديال قطر 2022، خاصة وأنه كان متعادلاً مع الأسطورة ليونيل ميسي برصيد 8 أهداف قبل انطلاق اللقاء.
أجرى كلا المدربين تغييرات واسعة على التشكيل الأساسي؛ حيث أراح المدرب الإنجليزي توماس توخل نجومه أمثال هاري كين وجود بيلينغهام، في حين غيّر ديشان خط دفاعه بالكامل بإشراك مالو غوستو، إبراهيما كوناتي، ماكسينس لكروا، وثيو هيرنانديز.
الشوط الأول: الإعصار الإنجليزي (0-4)
لم يكد الجمهور يأخذ مقاعده في المدرجات، حتى بدأ الإعصار الإنجليزي بضرب الشباك الفرنسية بلا رحمة. بدت دفاعات "الديوك" البديلة مفككة وعاجزة تماماً عن مجاراة السرعة والضغط العالي لمنتخب "الأسود الثلاثة".
- الصدمة المبكرة: في الدقيقة الثالثة فقط، افتتح لاعب الوسط ديكلان رايس التسجيل بتسديدة مقوسة رائعة سكنت شباك الحارس الفرنسي مايك ماينان.
- تعزيز التفوق: استمر الضغط الإنجليزي ليُسفر عن هدف ثانٍ في الدقيقة 18، بعد أن ارتقى المدافع إزري كونسا لعرضية متقنة من ركلة ركنية وأودعها برأسه في المرمى.
- بداية عرض ساكا: بحلول الدقيقة 37، بدأ جناح أرسنال المتألق بوكايو ساكا في ترك بصمته الخاصة، بتسجيله الهدف الثالث لإنجلترا بعد اختراق دفاعي مميز.
- رصاصة ما قبل الاستراحة: وفي الوقت بدل الضائع من الشوط الأول (45+1')، عاد ساكا ليوقع على هدفه الشخصي الثاني والرابع لمنتخب بلاده، وسط صدمة وحسرة على ملامح كيليان مبابي وزملائه الذين دخلوا غرف الملابس متأخرين برباعية نظيفة.
الشوط الثاني: انتفاضة الديوك وذروة الجنون (4-6)
أدرك ديدييه ديشان أن وداعيته توشك أن تتحول إلى كارثة تاريخية، فأجرى أربعة تبديلات دفعة واحدة مع انطلاق الشوط الثاني، مُدخلاً لوكا دين، دايوت أوباميكانو، برادلي باركولا، وعثمان ديمبيلي لإصلاح الخلل الواضح في فريقه.
وبالفعل، تغيّر شكل المنتخب الفرنسي تماماً، وكشر عن أنيابه الهجومية:
- صحوة القائد: في الدقيقة 48، أشعل كيليان مبابي بصيص الأمل لمنتخب بلاده بتسجيله الهدف الأول.
- تضييق الفارق: بعد ست دقائق فقط (الدقيقة 54)، أضاف البديل برادلي باركولا الهدف الثاني لفرنسا، لتصبح النتيجة 4-2 وتعود الحرارة إلى مدرجات ملعب هارد روك.
- الديوك يقتربون: في الدقيقة 66، عاد القائد مبابي ليضرب من جديد مسجلاً هدفه الشخصي الثاني في المباراة والثالث لفرنسا. بهذا الهدف، وصل مبابي إلى 10 أهداف في البطولة، مشعلاً سباق الحذاء الذهبي، وجاعلاً النتيجة (4-3) وسط توتر إنجليزي غير مسبوق.
الكلمة الأخيرة للأسود الثلاثة
مع اقتراب الدقائق الأخيرة، دفع المدرب الإنجليزي بنجمه جود بيلينغهام في الدقيقة 78 لضبط إيقاع وسط الميدان واستعادة السيطرة. وفي وقت كانت فيه فرنسا تضغط بكل أوراقها لإدراك التعادل، جاءت الضربة القاضية:
- هاتريك ساكا: في الدقيقة 87، حصلت إنجلترا على ركلة جزاء، انبرى لها ببرود أعصاب النجم بوكايو ساكا، ليسجلها بنجاح مُكملاً الـ"هاتريك" التاريخي الخاص به ورافعاً النتيجة إلى 5-3.
- لحظات النهاية المجنونة: في الدقيقة 90+6 من الوقت بدل الضائع، قلّص عثمان ديمبيلي الفارق لفرنسا مجدداً بتسجيله الهدف الرابع، ليعود الأمل لثوانٍ معدودة.
- رصاصة الرحمة: لكن النجم جود بيلينغهام رفض إلا أن يترك بصمته، وفي الدقيقة 90+8، أطلق رصاصة الرحمة مسجلاً الهدف السادس لإنجلترا لتنتهي هذه الملحمة الكروية بنتيجة غير قابلة للتصديق (6-4).
دلالات تاريخية
تُعد هذه النتيجة الأكبر في مباريات تحديد المركز الثالث منذ فترة طويلة جداً، وتعكس الطبيعة المفتوحة الخالية من الضغوط التكتيكية الصارمة التي تميز عادة هذا النوع من المباريات.
بهذا الانتصار، تُنهي إنجلترا رحلتها في كأس العالم 2026 بأفضل طريقة ممكنة، حاصدة الميدالية البرونزية كثاني أفضل إنجاز لها في تاريخ البطولة بعد تتويجها بلقب 1966. في المقابل، تودع فرنسا مدربها ديدييه ديشان بعد حقبة ذهبية شهدت التتويج بلقب 2018 وبلوغ نهائي 2022، منهية حقبة من النجاحات المستمرة.
ويبقى السؤال الأبرز معلقاً حتى نهائي الغد بين الأرجنتين وإسبانيا: هل ستكفي أهداف مبابي العشرة لضمان حذائه الذهبي الثاني، أم أن ميسي سيكون له رأي آخر؟
التسميات: أخبار الرياضة, كأس العالم 2026, ملخصات وتقارير, منتخب إنجلترا, منتخب فرنسا
